عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

69

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

نسخ من ذلك المصحف مصاحف ، فبعث إلى كل بلد مصحفا ، وأمرهم بالاجتماع على هذا المصحف . وروى يحيى بن عبد اللّه بن أبي قتادة عن موسى بن جبير أن عثمان بن عفان دعا أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وسعيد بن العاص فقال لأبيّ : إنك كنت أعلم الناس بما أنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، كنت تقرئ في زمانه ، وكان عمر بن الخطاب يأمر الناس بك ، فأمل على هؤلاء القرآن في المصاحف ، فإني أرى الناس قد اختلفوا . قال : فكان أبيّ يملي عليهم القرآن وزيد بن ثابت وسعيد بن العاص ينسخان . قال القاضي : وقد وردت الرواية أن عثمان لما أراد أن يجمع المصحف خطب فقال : أعزم على كل رجل منكم كان معه من كتاب اللّه عز وجل ، شيء لما جاء به ، قال : فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن ، حتى جمع من ذلك شيئا كثيرا ، ثم دخل فدعاهم رجلا رجلا يناشده : أسمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو أملّه عليك ؟ فيقول : نعم ، فلما فرغ من ذلك قال : من أكتب الناس ؟ قالوا : كاتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم زيد بن ثابت ، قال : فأي الناس أعرب ؟ قالوا : سعيد بن العاص ، قال عثمان : فليملّ سعيد وليكتب زيد ، فكتب مصاحف فرّقها في الناس . قال القاضي : فهذا الخبر يقضي بأن سعيدا قد كان ممن يملي المصحف ، ولا يمتنع أن يملّه سعيد ويمله أيضا أبيّ ، فيحتاج إلى أبيّ لحفظه وإحاطته علما بوجوه القراءات المنزلة التي يجب إثبات جميعها ، وأن لا يطرح شيء منها ؛ ويجب نصب سعيد بن العاص لموضع فصاحته وعلمه بوجوه الإعراب وكونه أعربهم لسانا ، قال : وقد قيل : إن سعيدا كان أفصح الناس وأشبههم لهجة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وليس يجب أن تتعارض هذه الأخبار ، لأنه قد ذكر في كل واحد منها ممل غير الذي ذكر في غيره ، لأنه لا يمتنع أن ينصب لإملائه قوم فصحاء ، حفّاظ يتظاهرون على ذلك ، ويذكر بعضهم بعضا ، ويستدرك بعضهم ما لعله يسهو عنه غيره . وهذا من أحوط الأمور وأحزمها في هذا الباب . قال : وقد ذكر في بعض الروايات أن الذي نصبه عثمان لإملاء المصحف أبان بن سعيد بن العاص « 1 » ، والسيرة تشهد بأن ذلك غلط ، لأن أهلها قد رووا أن أبان بن سعيد متقدم الموت ، وأنه قد هلك قبل جمع عثمان المصحف بزمان طويل ، وأنه قتل بالشام في وقعة أجنادين في سنة ثلاث عشرة ، وإنما المنصوب لإملاء

--> ( 1 ) هو أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، قتل يوم أجنادين سنة 13 ه . ( انظر ترجمته في : كتاب الثقات 3 / 13 ، الإصابة 1 / 13 ) .